الأربعاء، 25 مارس 2015

الجَمــالِ
 

     محمّد طه القدّال
الغناء بجمع المخنَّث السالم (1)
 وما نسمع الآن من غناء نتهمه بالهبوط، هو ليس بالغناء الهابط. فالهابط يأتي من (الفاعل) أي المستمر في فعل الهبوط ولم يصل إلى مستقر حضيضه بعد. كأن نقول (النامي) فهو مستمر في فعل النمو ولم يستقر في قمة ازدهاره بعد. فنقول هذا بلد نامي دون أن يعني ذلك أنه قد غادر المستنقعات ثلاثية الكساح (الجهل والفقر والمرض) إلا قليلاً. فما نسمع من غناء ونتهمه زوراً بالهبوط، يحتاج منا إلى مفرزة من المصطلحت وأيضاً من الشعراء كما قال أخونا الشاعر محمد مدني. فهناك غناء البنات الحسناوات اللائي يتغنين في أحبابهن الأولاد أخوان البنات. وهذا غناء سمعته أجيال وأجيال وهو غناء جميل في الشكل والمضمون وفيه (تتحكر) أم ضفاير وهي (تنقرش) ممسكة بالدلوكة وتتفنن في (شكر) حبيب القلب، طبيق الضيق، رفيق الأحلام. ولكنه يصير منفراً وقبيحاً شكلاً وموضوعاً عندما يكون (المتحكر) على الدلوكة أو الأورغن أو القرطاس، لا فرق، أحدهم من الأولاد (البشبهو البنات البشبهن الأولاد البشبهو البنات)، ويؤيد المغني، غناءه وشعره بالشكل الذي يناسب حالته من تلوين الوجه والعيون وتقليم الحاجب وشيل الشنب و(بالحلاوة) كمان، أو وضع الشنب الباروكة لزوم السوق، أوفي طريقة الكلام والجلوس التي تشبه طريقة البنات (البشبهن الأولاد البشبهو البنات البشبهن الأولاد). وعندما يتغنى شبه المذكر هذا للمذكر السالم فهناك إشكالية مفاهيمية وأخلاقية وأيضاً خلط مصطلحي. ويجب فرز الكيمان. فنقول لهؤلاء قولوا لنا (بالمفتشر): "يا أهل الله  هووووووي، نحن (قيزان) أي (Gays)" ولنا غناؤنا ولنا طريقتنا في اللبس ولنا طريقتنا في الكلام ولنا حقوقنا المهضومة والمعتدى عليها والتي سوف نرفعها للكونجرس وللأمم المتحدة. وحينها يكون غناء عامة أهل السودان قد (انفرز) تلقائياً ويصير معروفاً لدى الكافة في الداخل وعبر البحار أن ما يسمعونه في حفلات الأعراس وعبر الفيس بوك واليو تيوب وبعض القنوات الفضائية هو غناء فئة (القيزان) من أهل السودان الذين كانوا في يوم من الأيام (يقيفوا صقرين على شنباتهم). ويكون معلوماً لدى الجميع أن هذه الفئة لا تمثل واحد من الألف في المية من مجموع بشرية أهل السودان أو شباب السودان. لأن فيهم الكثير من هم (منجر) مع الموجة وفاكرها موضة. ومنهم من وجد فيها مجالاً (للعداد) المضمون والوفير فركب الموجة وآخر الموديل.  ولن يكون لنا معهم إشكال فيما يتغنون والكيمان مفروزة. ومنذ قديم عهد الغناء في السودان كانت هناك فئة (كبي لي جالون) وكان هناك الغناء الدكاكيني ولكنه ظل دكاكينياً منـزوياً في جلسة أصدقاء أو في حانة أو كرخانة، ولم يخطر ببال أهله أنه يمثل مزاج كافة أهل السودان و(الما عاجبو البحر طامح واللون كالح والطعم مالح)، على طريقتهم. كيف يصير الغناء العادي للحبيب وللحبيبة وللأم وللوطن وللأرض وللطفل ووللزارع وللعامل هو الغناء (الدكاكيني) المنـزوي في أضابير الإذاعات المحترمة أو غير المحترمة في حقيقة الأمر، أو في أرشيف أتحاد الفنانين. وأقول الإذاعات غير المحترمة لأنها لو احترمتنا واحترمت تراثنا الثقافي واحترمت نفسها لأفسحت المجال لغناء جملة أهل السودان العادي وأسمعته لجملة أهل السودان صغيرهم وكبيرهم وخاصة صغار المغتربين ولما كبلته وخنقته وأحرقته بدعاوى الدين والدين منها براء ولما صار هذا البون الشاسع بين الأجيال والانقطاع ولما كان هذا الجيل من مستمعي الشباب منبتاً لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع. كان الشعراء في الماضي وحتى عهدنا الحاضر هذا يخاطبون الحبيبة ب (يا حبيبي) ولكن الكل يعلم أنه خطاب التورية والإخفاء لأسباب اجتماعية وتاريخية معلومة والمقصود به الحبيبة الأنثى بكل صفاتها الفيسيولوجية والنفسية. وبصرف النظر عن الركاكة الظاهرة في الميزان الموسيقي والتركيب الأسلوبي بتكرار (قلب)، فإن هذا القول لا يمكن إلا أن يصدر من أنثى لحبيبها، ولكنها أنثى (فاتية) بجحة، تقبض يدها اليمنى و(تدعكها في راحة يدها اليسرى .. وسط الفريق وتردح بالصوت الحياني:
لو درت تبعد تشيل قلبي من قلبك

بتلايق معاك ببقي ليك في قلبك

تم النشر: عقد الفنون الأحد 6/8/2011

حقوق النشر © القدال