الخميس، 16 أكتوبر 2014

عمر الدوش وضل الضحى 
 نهاية الوجيب بداية العمر … 
(5)


(الأخيرة
عمر (ود ستنا)
مع العمدة جابر ود خف الفيل


لم يكن طويلاً يتجاسر على ربعه ولا قصيراً يتقافز إلى منفعته ولكن كان بين ذلك ربعة بين الرجال وكان لونه بين القمح وبين العسل يتراوح حين العافية وحين الاعتلال قمحياً في الصحة عسلياً حين السقم. وحدثني من حدثني أنه في شبابه كان الوسامة تمشي على اثنين مهندماً أنيقاً (قيافة وفايت الناس مسافة) شكلاً ومضوعاً. كان بسيطاً في عمق ومتواضعاً في أنفة وضعيفاً في قوة وواضحاً وضوح الشمس رائعة النهار. يحب إمضاء العدل عليه وعلى غيره ويمقت الظلم على نفسه وعلى الآخرين. في حديثه لطف العارف المجرب وسخرية الزاهد المغادر. لغته اليومية بسيطة مفهومة ومدعومة بإشارات من كلتا يديه ولغته أقرب إلى لغة أهل القرية ويستطيع التحدث بلهجة أبناء المدينة و(المثقفاتية) إن أراد حتى لتظنن أنه من أعرق أولاد أم درمان. لسانه طلق في اللغة الانكليزية لا ( يتعنعن ) فيها إي يدخل كلمة (يعني) العربية في الجملة الانكليزية دأب بعض المثقفين السودانيين المتحذلقين ويحذق اللغة التشيكية كأنها لغة أمه ولكنه أحب أهل السودان وأرض السودان عن صدق لا عن تنطع وادعاء وتشربت بذلك روحه وجرى حبهما في مجرى دمه وفي شعره حتى نسبت إليه خلطة (الوطن الحبيبة 000 الحبيبة الوطن) . رقيق رفيق مخمص، سرته أقرب إلى (عظم ظهره)، لا بطن له ولا أوداج ولا ( ودك) من تتابع المسغبة وطول الطوى. يمشي على (عرجة) ظاهرة لقصر في ساقه الأيسر جراء انزلاق ذات خريف وكانت رجله تؤلمه إلى أن غادر الدنيا وتسببت له في مشاكل في العمل وكان يأمل في علاج وهو يري القوم (يؤردنون) نسبة إلى الأردن أو (يلندنون) نسبة إلى لندن ولكن ما كان ليتزلف أحداً ولكان سافر لو داهن وتملق وقريبه (الرئيس) وأهل قرابته أبناء عمومة وخؤولة من المتنفذين في كل موقع ولكن هيهات فقد كان نسيج وحده في الكبرياء واحترام الذات. كان ذكي الفؤاد لماحاً يفهم الجملة من الكلمة الأولى ويدرك المعنى من إشارته ويكمل لك ما كنت تود قوله ويضيف إلى معناك معنى جديداً ما خطر لك على بال. كان يحب الناس البسطاء ويتقرب إليهم يواددهم ويجلس إليهم الساعات الطوال لا يمل جلوسهم وكانت نظريته في ذلك أنه في كل امرئ من البشر معرفة من المعارف ليست لديك ويمكنك أن تصل إليها وأن تستكنهها إن أدركت إليها السبيل ولكن الفرق الفارق أن الناس البسطاء يمنحونك إياها هكذا عفواً حباً وكرامة دون تمنع ولا التواء ولا من. وأغلب شخوصه في شعره وفي أعماله المسرحية من هؤلاء البسطاء فمشروع تخرجه (نحن نمشي في جنازة المطر) يمشي في سياق الغلابة والمسحوقين و مسرحيته (دهشو) التي تخرج بها الطالب وقتها عاطف البحر، نالت الجائزة الكبرى والناس البسطاء لحمتها وسداها وعندما أعاد كتابة إحدى المسرحيات اختار مسرحية ( جوابات فرح) ليوسف خليل ومسرحيته الأخيرة (عبد الغفار) جسمت ما أراد عمر الدوش أن يقول للمسحوقين وعلى لسانهم حتى ظن البعض أن عبد الغفار انما هو عمر الدوش نفسه ثم انظر إلى شخوص معلقته (ضل الضحى) من أبناء أمهم محمد ود حنينة وعلي ود سكينة وطه ود خدوم وصالح ود قنعنا. والأطفال في شعر الدوش تجسيد حي لانتمائه للمساكين واليتامى وأبناء السبيل والمنسيين:

(حأكتب لى شجر مقطوع

مسادير ..يمكن يتحركْ

خطابات لى (طفل مجدوع)

يقوم00 يجري00 يقع00 يبركْ

رسالة لكل قمرية

إذا دم الشقا اتوزع على كل البيوت

ما تـركْ)

أو هم اليتامى الغلابى الذين اوكل إليهم إقالة عثرة تاجوج:

(يا يتامى

يا غلابى

شوفو لى تاجوج زمام)

( ولسة بترقد الخرطوم

تبيع أوراكا للماشين

تطل من فوق عماراتها

وتلز (أطفالها) جوة النيل)

وانظر هذا الوجيب وهذا النشيج:

(رقدت على البحر .. غنيت

مليت أحزاني بالأمواج

جرحت الدنيا بالدوبيت

جريت لى ساحة الشهدا

لقيتم لا وطن لا بيت

دخلت منازل الأمات

وطليت لى شقا الأخوات

لقيت (أطفالي) في الشارع

بيجروا على أمل واقع

رقدت على البحر غنيت

واتذكرت أهلاً لى .. ساكنين في سجن كوبر)

( وصاني ابوي

الموج بيهدم كل رخوة على الجروف

شد الضراع.. زي المراكبي مع الشراع

لازم تعرفوا الظلم جاي من وين عليك

وافتح عينيك

على زهور الغابة والأدغال.. على (الأطفال )

ولدى الدوش حزن وخوف أزليين على الأطفال من أن يصبحوا يتامى منسيين مسحوقين و (مجدوعين):

(جيت أسألك يا طفلة الألم الرضيع

تديني خاطرك شان أضيع

في شوق موزع في الزحام)

(إنت يا ليل المغنين

في صباحات اليتامى

في البشيل فوق كتفو يمشي

لما ترخي الخيل لجاما)

وكانت أغنية الحزن القديم قد أحدثت دوياً هائلاً عندما شدا بها فنان (عموم أهل السودان) الأستاذ محمد وردى رده الله إلى محبيه سالماً، ولكن سنام الفعل الدرامي والعاطفي فيها جاءت في مقطع بسيط في كلماته عميق في معانيه:

(بتطلعي إنت من صوت طفلة

وسط اللمة منسية)

وكانت أبرز صفاته الشجاعة دون تهور. كان لا يتوانى أن يجابه كائناً من كان بالحقيقة الساطعة لا يثنيه عن ذلك شئ. ولقد شهدت له جملة مواقف مع أقرب أهله ومع أغراب يفلقهم بالحق والرأي الشجاع في اللحظة التي ليس غيرها لحظة صدق فيصدعون له لا يستطيعون إلا أن يوافقوه على ما رأى في التو واللحظة. جاء (يضلع) إلى الدكان المجاور في الحي وهو من بعيد يسمع صراخ المشكل القائم بين صبي الدكان المسكين وصاحب (الكريسيدا) ذي النظارات السود والعمة (الشاش) والشال (الشاويش) والحذاء (النمري) ومازال الدوش يتكأكأ حتى وصل مكان الضجة وقد أدرك مسبقاً وتأكد تماماً أن صاحب الجلابية (السمنة) يفتري على صبي الكنتين بالفعل وبالقول فما كان منه إلا أن أخذ (عرجة) واسعة ووقف أمام كرش صاحب النفخة وقال بهدوء ولكن بصوت واثق آمر مسترسل لا يترك (فرفصة) للسامع:

(يا زول هوي.. من وين انت؟ والشمطة شنو؟ والا أقو ليك .. أنا عارف الشمط شنو.. أ ر ك ب ع ر ب ي ت ك وانكشح) وحينها ساد الصمت الواجب أن يسود وركب الرجل عربته لا يلوي على شيء وهو (يهضرب) دا منو ؟ إنت منو؟ فيعاجله الدوش ( أنا الجن الكلكي ولابس ملكي) فيتناقل الخبر الأطفال والصبيان والفتيات والفتيان ويضج الحي بالفخر والابتسام. ولقد حكى لي أنه حين توفي القائد العمالي قاسم أمين في الغربة لم يجد القوم من يرافق جثمانه سوى عمر الدوش وكان حينها طالباً في بلاد التشيك فوافق تواً وهو يعلم ما في ذلك من مخاطرة بمستقبله وربما بحياته والنظام النميري حينها أسعر من كلب ضال في ملاحقة أهل اليسار ولقد دهشت حتى قوى الأمن من جرأته فقالوا له في المطار (الآن وقد أتيت إلينا برجليك نسوقك الآن) قال لهم لا ليس قبل أن أسلم الجثمان إلى أهله وأحضر مراسم الدفن ثم أسلم نفسي لكم طوعاً وأعطاهم جواز سفره وكان ما كان.

وذاك ما كان من عمر الدوش ولكن عمرا (ود ستنا ) كان أكثر انسحاقاً من طه المدرس ود خدوم ومن علي ود سكينة ومن محمد ود حنينة ومن صالح ود قنعنا وقد عانى من الظلم والتنكر لموهبته في حياته و يقاسي من الظلم والتنكر لحقوقه ميتاً. من كان يصدق أن الأستاذ حمد الريح الذي ما غنى أعظم من (الساقية) في نظري حتى الآن من كان يصدق أنه لم ير الدوش إلا في المحكمة عندما طالب الدوش بحقوقه المادية والأدبية. بالتأكيد لم يعط الدوش هذا النص للفنان وقد ذكر ذلك في أكثر من موقع وعلى شاشة التلفزيون في لقاء معه وأن النص وصل للفنان عن طريق الملحن الأستاذ ناجي القدسي ولكن أما كان غناء الفنان حمد الريح لنص الساقية كافياً ليلتقي الفنان بالشاعر ويتعرف عليه في الحياة العادية بدلاً من التقائه في ظرف المشاددة في المحكمة؟ ولقد ذهبت مع الدوش بصحبة محاميه الأستاذ محمد التاج مصطفى مرة إلى مجمع المحاكم بأم درمان لكي أشهد (ويا للسخرية) أن الماثل أمامي هو الأستاذ عمر الطيب الدوش بلحمه وشحمه(؟) وأنه صاحب القصيدة التي صارت فيما بعد (أغنية الساقية) التي يتغنى بها الأستاذ حمد الريح والتي جعل من إشاراتها ورمزها في سنين مضت محطة للنضال ضد الديكتاتورية ثم شاهدته لاحقاً في برامج تلفزيوني ينفي كل معنى نضالي فيها بل ويرسل إشارات تغزلية إلى الديكتاتور نفسه.

والآن وبعد وفاته يصدر الأستاذ عبد الكريم الكابلي شريط أغانيه الأخير باسم (سعاد) وهي كلمات من مقطع (محمد ود حنينة) في قصيدة (ضل الضحى) ويغني هذا المقطع بدرجة تلحين وأداء عاليين ولكن للأسف لا يشير من قريب أو بعيد لصاحب الكلمات وهو الأستاذ الشاعر المرحوم عمر الطيب الدوش طيب الله ثراه ورزقه الجنة بقدر ما أعطى الماء على حبه مسكيناً ويتيماً وظمآناً في نهار أمبدة العطشى. وكما قال الأستاذ هاشم صديق في هذا الصدد: ( كان المبدع في السودان يهمل حياً ويكرم ميتاً والآن أصبح يهمل حياً وميتاً) ولقد أخبرتني الأخت سعاد زوجة الشاعر أن الشركة الموزعة قد أرتها ديباجة مكتوب عليها أسم الشعار بينما الشريط الذي يباع في الأسواق لا يذكر اسم الشاعر فأي فوضى هذه وأي استهتار بحقوق الأحياء والأموات؟ وكيف يتم تلافي (الجليطة) المدوية بفضيحة أكثر دوياً. ولقد علمت أن الدوش في ابتداء تفاوضه مع الأستاذ الكابلي كان يرفض باستمرار أن يبدل الكابلي أي كلمة فيها وأن يغنيها كما هي وقد أخبرني بذلك من حضر ذاك الاجتماع فانظر ماذا حدث بعد غياب (عمر ودستنا)؟ لقد بدل الأستاذ الكابلي كثير من كلمات ومعاني وأجواء القصيدة وأكاد أقول أنه (بهدل) النص في مواضع كثيرة بدرجة تثير الحنق للذين يعرفون عمراً ورد فعله لو كان بيننا الآن. ذلك بصرف النظر عن المقابل البخس الذي دفعه الكابلي والظرف الطاحن الذي تم فيه تنازل عمر عن النص. وهنا لا أعفي إدارة كلية الموسيقى والمسرح التي كانت لها اليد الطولى في الحالة المادية المذرية التي وصل إليها عمر في شهوره الأخيرة. هذه الإدارة لم تراع ظرف مرضه وصعوبة تنقله من وإلى بيته وحتى في داخل بيته بسبب رجله ومنعت عنه مرتبه للستة أشهر الأخيرة من حياته وحتى مماته وأوقفت مرتبه دون إخطاره وفق إجراءات عمل مرعية ومعمول بها في كل مؤسسة محترمة ولشد ما آلمه في أيامه الأخيرة أنه يدرك أن بنتيه وزوجته في أمس الحاجة لمساعدته ولكنه مغلول اليد لا يستطيع أن يقدم لهم شيئاً طيلة الستة أشهر. كان يحس بما خاف منه في شعره وطيلة حياته من تيتم الأطفال بعد ذلك منسيين (مجدوعين) و (ملزوزين ) في النيل. وبسبب كل ذلك فقد فكر في أيامه الأخيرة في ما لم يفكر فيه طيلة حياته وهو الاغتراب إلى دول النفط والشاهد على ذلك الأستاذان كمال حسن بخيت وفتح الرحمن النحاس هما من ساعدا في ترتيب أوراقه والأستاذ محمد التاج مصطفى الذي حملها إلى أبوظبي. وهو الذي بشر طوال حياته بأن يبقى الشباب في وطنهم وأن تبني السواعد ديارها.

ثم ماذا بقي بعد من الظلم الذي وقع على عمر (ود ستنا) وهو ميت ؟ في أسبوع وفاته يخرج علينا من حباه الله بسطة في الجسم والمال وحبته ذاته الفاسدة كثيراً من الصفاقة وسوء الطوية يكتب في صحيفته بكل سواد القلب أن كيت وكيت ويصفه وصفاً دقيقاً لا يبقي غير أن تصرخ وتقول ملئ فيك أنه عمر الطيب الدوش، يكتب لا لينعاه ولا ليذكر محاسنه كما أوصى بذلك المثل الكريم والقدوة الرحيم (ص) ولكن ليشمت في الموت والموتى وهو ناسي أن العمر كما قال الدوش (ضل ضحى) يأتيه الفناء وإن طال ويغشاه التآكل وإن تمدد لا ينفع بعد ذلك لحم مترع ولا شحم متكدس و لا مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. ويبقى عمر الطيب الدوش الفنان المبدع الذي أعطى هذه الأمة التي أثق تماماً في أن من بنيها من يدرك أقدار الناس ويعطي الدوش التكريم اللائق به وبقدره. ويبقى شعره ومسرحه وسيرته وكل ما خطه شاهداً على أنه عاش حياته بصدق لا نفاق فيها ولا رياء وأرجو الله أن يغفر له بقدر صدقه وبقدر حبه لجميع الناس وأن يجعل الخير كل الخير في بنتيه (لندا ولميس عمر الطيب الدوش).

وأخيراً لي سؤالان الأول لناشر ديون الشاعر الدوش. لماذا لا يرى القراء الديوان معروضاً على أرفف المكتبات؟ ولقد سئلت شخصياً مراراً وتكراراً منذ بداية هذه الحلقات عن هذا الديوان وكان جوابي دائماً أن هو مطبوع وموجود في أماكن التوزيع ولكن لا أحد يجده في المكتبات. والسؤال الثاني لإدارة تلفزيون السودان. لقد قام التلفزيون بعمل توثيقي هام وكبير بتسجيل عدد كثير من أشعار الدوش بنفسه وبصوته وكان المؤمل أن يأتي ( تيم ) التصوير في يوم الخميس الذي سبق يوم وفاته بيوم واحد لاستكمال الحلقة بحوار معه بوجود أسرته ولكن لم يتم ذلك للأسف وقد كان حاضراً للتسجيل وأنا على ذلك شهيد. وبعد وفاته تم تسجيل لقاءات مع أصدقائه وزملائه بغرض استكمال تلك الحلقات. والآن أما يزال ذاك التسجيل التاريخي موجوداً في أضابير التلفزيون أم أنه قد تم مسحه شأن كثير من المواد التاريخية المفقودة؟ وإذا كان موجوداً فلماذا لا يبث؟

حقوق النشر © القدال