الاثنين، 9 يونيو 2014


  (2)
مَجــالُ  الجَمــالِ 

 محمّد طه القدّال                                             
الوطن والمصير وسيف الدسوقي
(ليه تقول لي انتهينا .. ونحن في عز الشباب؟) والسؤال مشروع وهو احتجاجي  مِن مَن لا يقبل بفرضية الانتهاء ما دام الشباب في عزه ومجده. والأسئلة الماثلة أمامنا مباشرة وبمشروعية مماثلة، كثيرة وملحاحة: من هو هذا المخاطَب؟ من هو هذا الذي يقول أننا قد انتهينا؟ هل هو العدو العازل أم الرقيب الحاسد أم الصديق المعابث؟ هل هي الحبيبة نفسها التي تقول لحبيبها في لحظة يأس: (ياخ نحن زمننا فات وغناينا مات)، والشاعر ينفي بإصرار ويدعم نفيه بالحجة تلو الحجة؟ وإذا كان الحبيب هو من يقول بالنهاية، فما طبيعة هذا الحبيب؟ هل هي حبيبة أنثي جاء عليها غطاء خطاب المذكَّر فيما درج عليه شعراء الإخفاء منذ الحقيبة حتى يومنا هذا؟ أم هو أخ أم صديق حبيب بأشناب بدرت منه الجملة الانهزامية ففجرت في الشاعر كل هذا الاحتجاج؟ وهل المقصود ب (انتهينا) نهايتنا الوجودية الأمر الذي يستدعي الاعتراض بالتعليق  (نحن في عز الشباب)، فكأنما لا يستقيم أن تصدمنا (النهايات) ونحن في ميع الصبا والشباب. أم أن المقصود نهاية قصتنا، قصة حبنا التي ظننا أنها لا تعرف النهايات؟ وكيف تبدأ القصة بالحب والريد ثم تصبح غاية؟ كيف بالله يمكن لقصة حبٍ ما أن تصبح غاية في حد ذاتها؟ إن لم يكن المقصود أن تصبح مثالاً للذين يعيشون قصص الحب المشابهة أن يتطلعوا إلى قصتنا في مثاليتها كغاية قصوى تُبتغى في القوة والثبات والأريحية والحنان. ففي هذه القصة المثالية للحبيب (أنثى كان أم ذكراً) خصيصتان أولاهما أنه يمنح السعادة بكرم فياض ويعطي العطايا متفجراً بها والثانية أنه يذوب رقة وحناناً فيبكي من أعماق فؤاده لبكاء حبيبه. إلى هنا والخطاب اعتراضي نافي للانهزام رافض للنهايات الوجودية أو العاطفية. ولكن بعد هذا يتغير الخطاب تغيراً ويتخذا منحىً هو أقرب إلى النداء العالي ولا أقول (الهتاف) إذ طغت ال (نحن)  واختفت (الأنا) وصارت الذكرى الجمعية ذكرى للقوة وتحدي صعاب  الليل والقفر، ذكرى الرمز والعنوان والمثال للطيبة وللشباب وما يمثله. ولكن ينكسر الخاطر مرة أخرى بالرجوع إلى (وهسي تايهين لينا مدة نجري من خلف السراب). يعني أنه بعد أن كنا وكنا وكنا .. فالآن ولمدة من الزمن تجدنا تائهين وفي نفس الوقت نطارد السراب.. إن الذي يطارد السراب ليس بتائه فالتائه لا يطارد أي شيئ. والأصبع السبابة مرفوع (تاني أوعك تقول انتهينا) لأنك إن تفعل فلن ننتهي وحدنا بل ينتهي الجيل كله، الذي كان قد بنى طموحه وآماله على نجاح قصتنا هذه ويعتمد اعتماداً تاماً في نجاح قصة حبه علينا وعلى نجاحنا لأننا قلب هذه الدنيا ولأن عز هذه الدنيا لا يتم إلا بنا  ... ثم (تاني أوعك تقول انتهينا) فنحن الآن فقط قد ابتدأنا .. استمعت إلى الفنان الراحل إبراهيم عوض وهو يردد بصوته القوي:
كنا في ماضينا قوة                 قوة تتحدى الصعاب
نقطع الليل المخيم                  ونمشي في القفر اليباب
كنا للناس رمز طيبة               وكنا عنوان للشباب
فظننت أني أستمع إلى واحدة من أقوى الأغاني الوطنية وأجملها وحتي عندما جاء إلى:
وهسي تايهين لينا مدة   نجري من خلف السراب
إلى أن قال:
نحن قلب الدنيا دية                 نحن عز الدنيا بينا
تاني ما تقول انتهينا               نحن يا دوب ما بدينا
فتأكد لي أن الأستاذ سيف الدين الدسوقي قد سبقت رؤياه رؤيته وأن ال (نحن) الأولى تتجه نحو اثنين فقط والأخيرة (نحن) الجماعة والجمعية، نحن الوطن وهو في نظري الخطاب والمخاطَب.

تم النشر: عقد الفنون الخميس 4 أغسطس 2011م

حقوق النشر © القدال